يبدو أن إقليم الشرق الأوسط على موعد جديد مع الاضطرابات العسكرية والاقتصادية؛ فبعد مرور عدة أشهر على حرب قصيرة دامت 12 يومًا في عام 2025، وأدت إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، عادت المواجهات العسكرية ترسم واقع الإقليم، واشتعل من جديد فتيل حرب أمريكية-إسرائيلية على إيران وبينما تركت الجولة الأولى تداعيات اقتصادية متوسطة على مجريات الاقتصاد العالمي، فإن هناك مخاوف جدية من أن الجولة الجديدة، حال اتساع نطاقها وطول أمدها، قد تترك تداعيات غير مسبوقة على الاقتصاد العالمي.
الاقتصاد العالمي قبل التصعيد
عشية انطلاق المعارك، كان الاقتصاد العالمي يشهد بداية دورة جديدة من التعافي وفي تقرير الأمم المتحدة عن الوضع الاقتصادي العالمي كان العالم يشهد تراجعًا في التضخم رغم استمرار عدم اليقين الجيوسياسي والتجاري كما توقع التقرير تباطؤ النمو في 2026 مع اعتماد جزئي على التيسير النقدي لدعم الاقتصاد العالمي، وكانت آفاق النمو تتمثل في تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي إلى 2.7% في عام 2026 قبل ارتفاع طفيف إلى 2.9% في 2027، وهو دون متوسط ما قبل الجائحة البالغ 3.2%، مع استمرار تحديات ضعف الاستثمار والديون المرتفعة والتوترات التجارية، خاصة في الاقتصادات النامية. وقد برز التفاوت الإقليمي في النمو، فالولايات المتحدة ستصل إلى نمو (2.0%)، أما الاتحاد الأوروبي فسيحقق (1.3%)، والصين (4.6%)، وأفريقيا (4.0%)، وأمريكا اللاتينية (2.3%).
وإزاء هذا التحسن التدريجي في آفاق النمو، ومع ازدهار الاستثمار في قطاع التكنولوجيا، كانت توقعات أسواق الأسهم العالمية في عام 2026 هي الأخرى تشهد تفاؤلًا مدعومةً بالنمو المتوقع في الاقتصاد الأمريكي وأداء الاقتصاد الصيني القوي والهدوء الجيوسياسي في عدة أقاليم دولية، مع حدوث انفراجةٍ تدريجية في ممرات التجارة العالمية الرئيسية، ولاسيّما في ممر البحر الأحمر باتجاه قناة السويس.
وما إن بدا يلوح في الأفق هذا التفاؤل، ها هي الجولة الجديدة من المعارك بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وبين إيران من جانب آخر تجعل الاقتصاد العالمي يتأرجح على حافة ركود جديد، نتيجة تضخم يُتوقع له أن يتفاقم، وسلاسل إمداد تتهدّدها المخاطر، وعدم اليقين يلفّ بيئة رأس المال الدولي، مع مخاوف من تراجع تدفقات رؤوس الأموال.
بينما أتت الضربة في وقت إغلاق الأسواق المالية الرئيسية، فإنه قد أتاح فترة إبطاء لظهور التداعيات الاقتصادية والمالية الأوسع نطاقًا للحرب على إيران؛ ورغم ذلك، ظهرت بعض الاستجابات الآنية في الأسواق الدولية والمؤشرات الرئيسية:
- عدم اليقين يعاود تهديد الاقتصاد العالمي: لقد عانى الاقتصاد العالمي، وخلال السنوات الخمس الماضية، من أزمات متعددة نتيجة استمرار عدم اليقين في الأسواق؛ فمن عدم اليقين الذي تسبّبت فيه جائحة كورونا، مرورًا بعدم اليقين الجيوسياسي الذي نتج عن الحرب الروسية-الأوكرانية، وصولًا إلى عدم اليقين الذي تسبّبت فيه حروب ترامب الجمركية على شركاء التجارة للولايات المتحدة؛ شهدت أسواق السلع والخدمات والأسواق المالية تقلبات عاصفة، وعانت من عدة صدمات، كما واكبها ونتج عنها تضخم كبير في أسعار الذهب، وتفاقمت مخاطر الفقاعات في الأصول الدولية.
ومع اندلاع المواجهات الجديدة في إقليم الشرق الأوسط، سيكون العنوان الأبرز الذي يخيّم على مجريات الاستثمار والتشغيل والتجارة الدولية هو عدم اليقين. وتحت ظل عدم اليقين الاقتصادي، ستعاني الحكومات الدولية، المتقدّمة والنامية على حدٍّ سواء، من ارتفاع في تكاليف التشغيل، وستزداد الضغوط على الأداء الاقتصادي العالمي.
- ضغوط صعودية في أسواق النفط: بينما تُعدّ أسعار النفط بمثابة المعيار العالمي الأبرز للتداعيات الاقتصادية للحروب والأزمات الجيوسياسية؛ فإنه يزداد أهمية في حالة المواجهات العسكرية الحالية في منطقة الخليج العربي؛ إذ إن هذه المنطقة تمثل محورًا رئيسيًّا لأسواق الطاقة العالمية، وبها الممرات التي تتدفق فيها أكثر من خُمس الطاقة الأحفورية العالمية.
وقد تركت المواجهات العسكرية الحالية التحركات الآتية في سوق النفط: واجه سوق النفط ضغوطًا صعودية، مع وصول سعر برنت إلى نحو 73 دولارًا للبرميل. وفي حال اتساع رقعة المواجهة في منطقة الشرق الأوسط وفي المضائق البحرية الإقليمية، فقد يشهد سوق النفط أسعارًا فورية تدور بين 90-100 دولار للبرميل، مع ارتفاع موازٍ في العقود الآجلة بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وتأكيدًا لذلك، فإن أربعة مصادر تجارية لـ”رويترز” أشارت إلى أن عددًا من شركات النفط الكبرى والتجارة علّقت شحنات النفط والوقود عبر مضيق هرمز بعد الهجوم على إيران.
صدمة إغلاق مضيق هرمز
في وقت يمثل فيه مضيق هرمز عصب حركة النفط العالمية المتجهة لآسيا، التي تمثل مصنع العالم، فإن إغلاق هذا الممرّ كان دائم الخطر الأبرز الذي تتحوط ضدّه كبريات الاقتصادات الآسيوية الصناعية. ورغم أن الأنباء تتواتر أن إيران أعلنت إغلاق المضيق أمام حركة السفن النفطية، ومع تداول المعلومات عن قيامها باستهداف عدة سفن من ناقلات النفط، فإن الصدمة المتوقعة على أسعار النفط من جراء هذا الإغلاق تجعل بعض التقديرات تتوقع أن يشهد سعر النفط مستويات تقترب من 100 دولار للبرميل قريبًا
وبينما لم تؤكد إيران رسميًّا إغلاق المضيق، وهو ما يُعدّ تصعيدًا غير مسبوق في المنطقة، لكن يبدو أن السفن تتجنّب المضيق بعد هجوم على سفينة قبالة سواحل عُمان؛ إذ ذكرت بعض وكالات الأنباء أن ما لا يقلّ عن 150 ناقلة تحمل النفط الخام والغاز الطبيعي المسال ومشتقات النفط قد رست في المياه المفتوحة عبر الخليج بعد المضيق يوم الأحد
ونقلت وكالات الأنباء الدولية، عن مسؤول في البعثة البحرية للاتحاد الأوروبي، قوله إن السفن تتلقّى بثًّا لاسلكيًّا كثيفًا وعالي التردّد من الحرس الثوري الإيراني يقول: “لا يُسمح لأي سفينة بالمرور عبر مضيق هرمز”، فإن ذلك يضيف إلى علاوات المخاطر في أسواق الطاقة ضغطًا صعوديًّا إضافيًّا؛ في ظل استقباله نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
ومع هذا المشهد المتفاقم في قطاع الطاقة، من المتوقع أن يعيد سوق جنوب شرق آسيا هيكلة الطلب في الأسواق الفورية للطاقة خلال الأسابيع المقبلة بعيدًا عن مناطق الصراع في الشرق الأوسط وعلى أن الأمر لن يقتصر على ناقلات النفط والغاز المسال فقط، إذ إن إغلاق مضيق هرمز قد يترك آثارًا متفاقمة على حركة التجارة السلعية بين جنوب آسيا، خصوصًا الصين، وبين الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وجنوب أوروبا؛ إذ تمرّ عبر هذا المضيق تجارة سلعية ضخمة تذهب إلى الموانئ الرئيسية في الخليج العربي، ليتم إعادة تداولها في الحاويات وإعادة تصديرها للعديد من الأسواق الدولية. ومع إغلاق المضيق، فإن تجارة إعادة التصدير في الخليج العربي ستعاني من اختناقات آنية تهدّد انتظامها.
رسم خرائط الشحن الدولي
إلى جانب الاختناقات المتوقعة في حركة الشحن للنفط والغاز، ومع تهديد انتظام تجارة إعادة التصدير، فإن إشعارات إغلاق مضيق هرمز ستترك مزيدًا من الضغوط على الأسعار وعلاوات المخاطر في الشحن البحري. ويحدث ذلك في وقت تُعيد فيه كبرى شركات الشحن، بما فيها “ميرسك” الدنماركية، الابتعاد عن ممرات التجارة القريبة من الصراع، ولاسيّما خطوط الملاحة في البحر الأحمر باتجاه قناة السويس. وبطبيعة الحال، سيرفع ذلك من مخاطر تكاليف النقل وتضخم أسعار السلع المستوردة في عدة أقاليم دولية، بما في ذلك شمال أفريقيا وجنوب أوروبا.
تقلبات واسعة ومتواصلة في أسواق الأوراق المالية والأصول المشفرة مع عودة صعودية للملاذات الآمنة مع تراجع حوافز المخاطرة في الأسواق الفورية، عانت أسواق المال الخليجية من تقلبات نزولية حادة، في ظل تراجع معنويات المستثمرين المحليين والدوليين على حدٍّ سواء. وفي أسواق الأصول المشفرة، انخفضت قيمة “بيتكوين” وغيرها من الأصول الرقمية بشكل حادّ، بعد أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل بضرب أهداف في جميع أنحاء إيران يوم السبت. وقد انخفض سعر “بيتكوين” بنسبة تصل إلى 3.8%، وقد مُحيت قيمة سوقية تُقدَّر بنحو 128 مليار دولار من الأصول الرقمية في أعقاب هذه الأخبار مباشرة. ولكن عدم اليقين السائد في المشهد المالي العالمي جعل هذه الأصول تشهد موجة شراء جديدة، إذ ارتفعت عملة “بتكوين” بنسبة 2.21% إلى 68196 دولارًا و”إيثر” تصعد 4.58% لتتجاوز مستوى 2000 دولار، والسوق تستعيد 32 مليار دولار من قيمتها بعد خسارة 128 مليار دولار في اليوم الأول للمعارك
وفي السياق ذاته، من المتوقع أن تواجه أصول الملاذات الآمنة، بما فيها الذهب وبعض العملات الأوروبية مثل الفرانك السويسري، ضغوطًا صعودية آنية مع عودة فتح الأسواق. وفي ظل زيادة متوقعة للطلب على السندات الأمريكية، سيدعم ذلك تراجعًا في عوائدها؛ ما يهدد عوائد الصناديق وكبار المستثمرين في هذه الأصول.
تأثر النقل الجوي بالحرب
في وقت تعرّضت فيه أكثر المطارات ازدحامًا في العالم، ولاسيّما مطارات رئيسية في الخليج العربي، للإغلاق، ومع تأثر بعضٍ من أهم الوجهات السياحية في الإقليم بالهجمات، من المتوقع أن تهدّد الهجمات التي شنّتها إيران على قواعد أمريكية في الخليج انتظام أنشطة قطاع السياحة الإقليمية والقطاعات ذات الصلة.
كما أدى هذا الاضطراب في الطيران إلى انخفاض عدد الزوار القادمين من الخارج، وخلق فوضى في خطط السفر الدولية. ومع انتشار التحذيرات الرسمية من السفر إلى المنطقة بسبب مخاطر الصراع، ألغى سياح دوليون، أو أجلوا، رحلاتهم إلى المنطقة؛ خوفًا من مزيد من تدهور الأوضاع.
وفي حال إعادة فتح المجال الجوي لاحقًا، ستواجه شركات الطيران تكاليف إضافية كبيرة تشمل: إعادة توجيه الرحلات لمسارات أطول لتجنّب مناطق التوتر، وارتفاع أسعار الوقود والتأمين على الرحلات العابرة لمناطق ذات تصنيف مخاطر مرتفع، وزيادة أعباء اللوجستيات، وتخفيض كفاءة استخدام الأسطول؛ بسبب التعطيلات.
خاتمة: بينما تُعدّ الاقتصادات القريبة من بؤر الصراع العسكري الأكثر تأثرًا بتداعيات الإغلاق الجوي واختناقات سلاسل الإمداد، فإن الاقتصاد العالمي ككل يقف أمام سيناريوهين رئيسيين: أولهما استمرار العمليات العسكرية بالوتيرة الحالية أو تعرّض البنية التحتية للطاقة لأضرار جسيمة، وهو ما يعني تصاعد حالة عدم اليقين، وتهديد مسار التيسير النقدي لدى البنوك المركزية، وإعادة توجيه تدفقات الاستثمارات الأجنبية ورؤوس الأموال بعيدًا عن منطقة الشرق الأوسط؛ بما ينعكس سلبًا على معدلات النمو.
ومع تراجع حركة التجارة والشحن البحري والنقل الجوي، سيضيف هذا السيناريو مزيدًا من القيود على النشاط الاقتصادي، ليتباطأ النمو الإقليمي والعالمي إلى ما دون 2% على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام الحالي. ورغم أن تحقق السيناريو الأول يظل مرتبطًا باستمرار المواجهات بالوتيرة الحالية، فإن السيناريو الأكثر تفاؤلًا يتمثل في استئناف سريع للمسار التفاوضي بين أطراف الصراع، بما يتيح احتواءً عاجلًا للآثار الاقتصادية التي برزت بصورة فورية. وفي كلتا الحالتين، يُرجَّح تراجع احتمالات إقدام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على مواصلة خفض أسعار الفائدة، وهو ما قد ينعكس بتأثيرات متباينة على أسواق الأسهم والأصول المشفرة عالميًّا.
المصدر : تريندز للبحوث والاستشارات
الكاتب : موزة المرزوقي
التاريخ : 4/3/2026
------------------------------------------------------------------------------------
المصدر : صحيفة اليوم السابع
الكاتب : أحمد يعقوب
التاريخ : 28/2/2026
