كيف تشكل الحرب الإيرانية صدمة لسلاسل التوريد الدولية؟
فرع بنغازي

سفن عالقة.. ورحلات جوية مؤجلة.. وطلبيات متأخرة، هكذا يبدو وضع سلاسل الإمداد والتوريد العالمية بعد أكثر من 40يوماً على اندلاع الحرب في الشرق الأوسط. هذا الوضع المتأزم جاء في توقيت كانت تمر التجارة فيه بأزمة بسبب الرسوم الجمركية واتساع نطاق الحمائية، والاضطرابات في حركة الشحن مع تأثر ممرات مائية استراتيجية مثل باب المندب وقناة السويس.  

قد يذكرنا الوضع الحالي بالمراحل الأولى من الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، ولكن الوضع اليوم أكثر تعقيداً وتشابكاً. فالحرب الروسية وإن تركت تأثيراً واضحاً في أسعار الطاقة والغذاء والمعادن، إلا أن التدفقات خلالها لم تتوقف؛ وهو ما يحدث اليوم مع إغلاق مضيق هرمز الشريان الحيوي لخمس استهلاك العالم يومياً من النفط والغاز الطبيعي المسال. هذا الوضع له تداعياته الكارثية على الاقتصاد العالمي بكل فاعليه من رفوف المتاجر ومحطات الوقود إلى صالات الإنتاج في المصانع، وليس نهاية بأرصفة الموانئ وخزائن الحكومات. 

نقص في إمدادات الطاقة: 

على الرغم من ارتفاع إنتاج النفط والغاز في كثير من المناطق مثل الأمريكتين؛ فإن الشرق الأوسط ما زال محتفظاً بدوره المحوري في سلاسل التوريد العالمية للطاقة وبخاصة للأسواق الآسيوية. بالتالي فصدمة الإنتاج والنقل من المنطقة خلقت اضطراباً في الأسواق العالمية وانعكست على الأسعار. وفي الحديث عن الإنتاج بداية، فإن استهداف العمليات العسكرية حقول الإنتاج للنفط والغاز أو منشآت التخزين؛ أثر في استمرار العمليات التشغيلية في حقول وآبار النفط والغاز الطبيعي. أما عند الحديث عن النقل، فإن الجزء الأكبر من إنتاج دول الخليج العربي والعراق يمر عبر مضيق هرمز، والذي أصبح بالفعل غير آمن ومغلقاً أمام رحلات السفن. 

شكّل الإغلاق صدمة فورية لأسعار النفط والغاز، حيث تتداول عقود خام برنت اليوم بين مستويات تتجاوز 100دولار للبرميل وهو أعلى مستوى منذ ثلاث سنوات، وذلك مقارنة مع مستويات تراوحت بين 60 إلى 70 دولاراً للبرميل في عام 2025. بينما سجل الخام الأمريكي أعلى مستوى منذ عام 2022 مقترباً من 99 دولاراً للبرميل. فيما تستمر أسعار الغاز الطبيعي في الارتفاع وخاصة في أوروبا بضغط من نقص الإمدادات وتآكل المخزونات.  

بدائل متاحة لكنها غير كافية: 

تمتلك دول المنطقة والعالم بدائل قد تساعد على تخفيف الصدمة عن أسعار النفط، فدول المنطقة تملك بنية تحتية لنقل النفط إلى مراكز تصدير تتجنب مضيق هرمز. فعلى سبيل المثال، تمتلك المملكة العربية السعودية خط أنابيب "شرق – غرب" الذي يمتد من محطة أبقيق شرقي البلاد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة استيعابية تصل إلى 5 ملايين برميل يومياً. بدورها تمتلك الإمارات خطاً بديلاً لنقل النفط يعرف باسم "حبشان–الفجيرة" بطاقة استيعابية تصل إلى 1,8 مليون برميل يومياً. إضافة إلى خط سوميد المصري الذي يعمل كحلقة وصل بين البحرين الأحمر والمتوسط وقادر على نقل 2,5 مليون برميل يومياً إلى الأسواق العالمية. وبالنسبة للعراق فإنها تمتلك بديلاً متمثلاً في خط أنابيب كردستان الذي ينقل النفط إلى ميناء جيهان في تركيا، ولكن الطاقة الاستيعابية المحدودة للخط تضعف فاعليته مقارنة بحجم الإنتاج والصادرات عبر مضيق هرمز. 

يملك العالم أيضاً بديلاً مؤقتاً يمكنه معالجة الضغوط الناتجة عن انخفاض شحنات النفط متمثلاً في الاحتياطي الاستراتيجي. فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية تملك الحكومات الأعضاء في الوكالة نحو 2,1 مليار برميل من احتياطيات النفط الخام، بجانب 600 مليون برميل من المخزونات الصناعية المحتجزة بموجب التزامات حكومية. وقد بدأت كبرى الدول في سحب نحو 400 مليون برميل من هذه الاحتياطيات وضخها في الأسواق لامتصاص الصدمات في العرض والأسعار. بينما لجأت الولايات المتحدة إلى حلول أخرى متمثلة في رفع العقوبات مؤقتاً عن شراء النفط الروسي لدول تعتمد على التدفقات من الشرق الأوسط مثل الهند، في محاولة لتعويض نقص الإمدادات وطمأنة الأسواق. 

بالنسبة للغاز الطبيعي فالبدائل شبه معدومة، حيث لا توجد بنية تحتية قائمة بالفعل مثل خطوط الأنابيب لنقل الغاز من الحقول في دول الخليج إلى الأسواق العالمية؛ ومن ثم فاستمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز يعني فقدان العالم لنحو 20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال.

اضطرابات في أسواق الشحن: 

تتموضع منطقة الشرق الأوسط في مفترق طرق التجارة العالمية عبر ممرات مائية استراتيجية تشمل باب المندب وقناة السويس ومضيق هرمز؛ لذا فالاضطراب في هذه الممرات التجارية قادر على إصابة سلاسل التوريد والتجارة العالمية بصدمة قوية. وفي ظل هذا الوضع الذي تستخدم فيه ممرات ومضايق التجارة كأوراق ضغط جيوسياسية؛ فإن شركات الشحن تكون أمام خيارين، الأول هو المجازفة ومحاولة العبور، وهنا تظهر المخاطر المتمثلة في تكاليف التأمين على الشحنات والسفن، فقد قفزت تكلفة التأمين على بعض الرحلات عبر مضيق هرمز بنحو 1000% بعد أسبوع واحد فقط من بداية الحرب.

الحل الثاني لشركات الشحن هو اتخاذ مسارات بديلة للممرات التقليدية. فعلى سبيل المثال، تتخذ شركات الشحن من طريق رأس الرجاء الصالح بديلاً لقناة السويس؛ بسبب مخاطر الحرب وإغلاق مضيق باب المندب. ولكن لهذا تكلفة أعلى، فالمرور عبر قناة السويس يعني وقتاً أقصر وتكلفة شحن أقل ومخاطر شبه معدومة والعكس صحيح. والنتائج النهائية لهذه البدائل تتضمن تكاليف شحن قياسية مع ارتفاع أسعار الوقود وتكلفة التأمين، وتعطيل سلاسل التوريد والطلبيات الخاصة بالمصانع، وتضخم مضاعف على المستهلك النهائي. 

التأثر ليس في البحر فقط وإنما يمتد للسماء أو الشحن الجوي. فاشتعال المواجهات العسكرية وتأثيرها في البنية التحتية الأساسية مثل المطارات يدفع لإلغاء أو تأجيل آلاف الرحلات الجوية، سواء المنطلقة أم المارة عبر دول المنطقة. وهذه الرحلات ليست بالضرورة تحمل أشخاصاً، وإنما بضائع يتم شحنها جواً، وهي الأخرى أصابها العطل بسبب الحرب أو ارتفاع التكاليف بسبب زيادة أسعار الوقود، فبعد أقل من أسبوع على اندلاع المواجهات العسكرية ارتفعت أسعار وقود الطائرات بنسبة تصل إلى 50%.

الصناعة والزراعة في مرمى النيران: 

تقلص الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة له تداعيات سلبية على قطاعات صناعية حيوية تعتمد على المواد الهيدروكربونية المشتقة كمدخلات للإنتاج. وفي مقدمة هذه القطاعات البتروكيماويات؛ حيث تشكل منتجات مثل الإيثيلين، البروبيلين، والبيوتادين والبنزين عناصر رئيسية في منتجات مثل البلاستيك والألياف الصناعية. وسيطال التأثير صناعة الأسمدة العالمية مع ارتفاع الأسعار ونقص التدفقات من الغاز الطبيعي. فعلى سبيل المثال، بعد أقل أسبوع من بداية الحرب في الشرق الأوسط قفزت أسعار الأسمدة من 516 دولاراً للطن إلى 683 دولاراً في مركز الاستيراد في نيوأورليانز.

إذا تمت إضافة علاوة مخاطر الشحن من الشرق الأوسط الذي يمثل مركز إنتاج حيوي لكلتا الصناعتين؛ فالأثر سيكون مضاعفاً، فالمنتجات البتروكيماوية هي وسيط في كثير من الصناعات؛ مما يترجم إلى خفض الطاقة الإنتاجية لمصانع تمتد من نيودلهي إلى برلين، وفي النهاية ستترتب عليه صدمة سعرية لكثير من المنتجات النهائية. على جانب آخر تدفع قفزة أسعار الأسمدة إلى صدمة في أسعار الغذاء تذكرنا بما حدث بعد الحرب الروسية الأوكرانية عندما قفزت أسعار منتجات أساسية مثل القمح والذرة والزيوت بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة وقيود التصدير من الدول المنتجة للسيطرة على التضخم في الأسواق المحلية. 

من يدفع الثمن ومن يجني الأرباح: 

بنظرة عامة يبدو الجميع متأثراً بالسلب من تبعات الصراع، ولكن بنسب متفاوتة. فالحرب في الشرق الأوسط في ظل الوضع الاقتصادي الهش في القارة العجوز وعدم استقلالية سلاسل الإمداد للطاقة والمنتجات الوسيطة تُدخل أوروبا في عديد من الأزمات. فمن ناحية ستلتهم قفزة أسعار الغاز الطبيعي والنفط مدخرات المستهلكين وخزائن الحكومات. وستضيف الحرب مخاطر زيادة الاعتماد على الولايات المتحدة كمورد رئيسي للطاقة؛ مما يتعارض مع رؤية دول الاتحاد الأوروبي لتنويع الإمدادات بعيداً عن أكبر اقتصاد في العالم في ظل الخلافات التجارية والجيوسياسية مع إدارة ترامب. وتنذر الحرب أيضاً بتهديد الصناعات التقليدية في القارة مثل البتروكيماويات والصلب والسيارات في ظل ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج وتعطل سلاسل التوريد. 

في آسيا تبدو الهند في وضع أصعب في ظل اعتمادها على الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من النفط والغاز الطبيعي المسال. وبالنسبة للصين فالوضع على المدى القصير تحت السيطرة مع امتلاك مخزونات استراتيجية من النفط، وامتلاك القدرة على تنويع الإمدادات سواء عن طريق الحليف التقليدي روسيا، أو الأمريكتين. كما تملك الصين حائط صد متمثلاً في الاحتياطيات الأجنبية الكبيرة؛ مما يمكنها من امتصاص صدمات الأسعار. 

هناك أيضاً رابحون من الحرب، وتأتي في مقدمتهم روسيا التي دفعت الحرب الولايات المتحدة إلى رفع مؤقت للحظر عن صادراتها من النفط لتعويض النقص في الإمدادات، بجانب الاستفادة المباشرة من ارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة. وفي الولايات المتحدة يجد منتجو النفط الصخري أنفسهم في وضع قوي مع ارتفاع الأسعار، فوفقاً لتحليل من صحيفة فايننشال تايمز؛ فإن شركات النفط الأمريكية يتوقع أن تحقق أرباحاً إضافية بقيمة 63 مليار دولار في 2026 في حالة استمرار الأسعار الحالية. والدول المنتجة للنفط والغاز مثل كندا وفنزويلا وأستراليا والنرويج، بالإضافة إلى ليبيا والجزائر من المتوقع أن تجني مزيداً من المكاسب في حالة استمرار الصراع الحالي لفترة أطول. 

اختبار لمرونة الاقتصاد العالمي: 

على مدار السنوات الأخيرة أثبت الاقتصاد العالمي مرونة في تجاوز الصدمات ومواصلة النمو، بداية من وباء كورونا، حتى أزمة سلاسل الإمداد والحرب الروسية الأوكرانية والتشديد النقدي، والرسوم الجمركية، وصولاً للحرب الحالية الممتدة منذ السابع من أكتوبر 2023. صحيح أن الطريق كان صعباً وتخللته كبوات مثل التضخم المفرط وأسعار الاقتراض المرتفعة وتعطل طرق الشحن، إلا أن الاقتصاد حافظ على توازنه واستعاد عافيته بفضل تدفق التجارة والاستهلاك الخاص والاستثمار الحكومي وأثر التكنولوجيا على الإنتاج. 

وتبدو الحرب التي تتوسع يوم بعد آخر اختباراً أشد لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود؛ بسبب أنها تأتي مع استمرار الصدمات الأخرى، فالرسوم ما زالت سارية، وجبهة أوكرانيا مشتعلة، وطرق الشحن معطلة. وعلى العالم الآن التعامل مع ارتفاع في أسعار الطاقة، وتعطل في الإنتاج بسبب نقص الإمدادات وارتفاع التكاليف، وعلى المستهلك تحمل فاتورة أعلى لتلبية احتياجاته الأساسية. كما أن الحكومات تذهب لمسار إعادة إحياء سياساتها النقدية المتشددة للسيطرة على التضخم، واستنزاف الاحتياطيات النقدية الأجنبية للدفاع عن عملتها ضد مخاطر هروب الاستثمارات من أدوات الدين. 

ختاماً، يجد العالم اليوم نفسه في أزمة طاحنة تضرب سلاسل التوريد الحيوية وتعطل طرق التجارة الرئيسية وتنذر بتداعيات أقوى في حالة طال أمد الصراع وتوسع ليشمل جبهات جديدة؛ مما يغذي حالة عدم اليقين في اقتصاد يترنح بين صدمات تجارية وجيوسياسية واقتصادية تعصف باستقراره وتعطل نموه، وتدفع باتجاه ما هو أصعب من ركود في النشاط الاقتصادي وتضخم في الأسعار.



 

 

المراجع

_ محمد عبدالتواب، 23/3/2026، كيف تشكل الحرب الإيرانية صدمة لسلاسل التوريد الدولية؟، المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة.

ب،ن، 4/3/2026،الحرب الإيرانية يضرب سلاسل الإمداد، الشرق الاوسط.

المقالات الأخيرة