أزمة دروجبا 2026 و ميزان القوى للشرق الأوربي
فرع القاهرة

في سياق جيوبوليتيكس القرن الحادي والعشرين، لم تعد الصراعات الدولية تُدار حصريًا عبر المواجهات العسكرية التقليدية أو عبر تحركات الجيوش والأساطيل، بل باتت تُخاض كذلك من خلال أدوات أقل صخبًا وأكثر تعقيدًا، في مقدمتها البنية التحتية الحيوية. وقد كشفت التطورات التي شهدتها أوروبا الوسطى منذ فبراير 2026 عن نمط جديد من الاشتباك الاستراتيجي بين أوكرانيا وكل من المجر وسلوفاكيا، يتمثل في توظيف شبكات نقل الكهرباء العابرة للحدود وخطوط أنابيب النفط كأدوات ضغط سياسي متبادل.

تجسدت الأزمة في تهديدات متبادلة بقطع تدفقات النفط أو إمدادات الكهرباء، في لحظة تتقاطع فيها الحرب الروسية - الأوكرانية مع حالة إنهاك أوروبي متزايدة بفعل أعباء الطاقة والتضخم. وهنا لم تعد الطاقة مجرد سلعة اقتصادية تخضع لقواعد العرض والطلب، بل تحولت إلى أداة إكراه سياسي وإعادة تشكيل لموازين القوة. إن التحكم في تدفق الكهرباء أو النفط بات وسيلة لإعادة ضبط السلوك السياسي للخصوم دون اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة، وهو ما يعكس انتقال الصراع من ساحات القتال إلى شبكات الأنابيب والكابلات العابرة للحدود.

وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل أبعاد الأزمة من خلال أربعة محاور رئيسية: أولًا، الطاقة بوصفها محددًا للصراع الدولي؛ ثانيًا، أزمة خط أنابيب «دروجبا» كبؤرة اشتباك؛ ثالثًا، انعكاسات الأزمة على الحرب الروسية - الأوكرانية وتماسك الاتحاد الأوروبي؛ ورابعًا، التداعيات الاقتصادية والقانونية والسيناريوهات المستقبلية المحتملة.

الطاقة والصراع الدولي

شهدت العقود الأخيرة تحولًا جوهريًا في موقع الطاقة داخل بنية الصراع الدولي. فبعد أن كانت موردًا استراتيجيًا يُسعى للسيطرة عليه - كما في معارك حقول النفط خلال الحرب العالمية الثانية - أصبحت اليوم «رافعة استراتيجية» قادرة على تحقيق الإخضاع السياسي دون نشر الجيوش. ويمكن فهم أزمة 2026 من خلال مفهوم «الاعتماد المتبادل المُسلّح»، الذي يشير إلى قدرة الدول على توظيف شبكات الترابط الاقتصادي والبنيوي كأدوات ضغط.

في النظرية الليبرالية الكلاسيكية، كان الاعتماد المتبادل يُنظر إليه كقوة مهدئة تقلل من احتمالات الحرب. غير أن التجربة الراهنة في أوروبا الوسطى تُبرز الوجه الآخر لهذا الاعتماد: إذ يخلق نقاط ضعف قابلة للاستغلال عندما يكون غير متماثل. فأوكرانيا تعتمد على الربط التزامني مع شبكة الكهرباء الأوروبية ENTSO-E لتأمين احتياجاتها خلال فترات الذروة، بينما تعتمد المجر وسلوفاكيا بدرجة كبيرة على النفط الروسي المنقول عبر الأراضي الأوكرانية من خلال خط «دروجبا». هذا التشابك البنيوي حوّل البنية التحتية إلى «نقطة اختناق سيادية»، يمكن استخدامها لإعادة توجيه السلوك السياسي للطرف الآخر.

تكتسب الطاقة هنا دور «مضاعف القوة» في سياق الحروب الهجينة. فعلى عكس الضربة العسكرية الصريحة، فإن «صيانة غير مجدولة» لخط أنابيب، أو «موازنة تقنية للأحمال» في شبكة كهرباء، تتيح هامشًا من الإنكار المعقول. وتفرض هذه الضبابية عبئًا إثباتيًا على الطرف المتضرر، إذ يتعين عليه البرهنة على وجود نية سياسية خلف إجراء تقني ظاهريًا. وبذلك تصبح الطاقة أداة ضغط منخفضة الحدة لكنها عالية التأثير، قادرة على شل الاقتصاد تدريجيًا وإعادة تشكيل الحسابات السياسية دون إطلاق رصاصة واحدة.

أزمة دروجبا للطاقة

كان المحفز المباشر للتصعيد هو توقف عبور النفط الروسي عبر الفرع الجنوبي من خط أنابيب دروجبا («الصداقة») في أواخر يناير 2026. هذا الخط، الذي أنشئ في الحقبة السوفييتية، شكّل لعقود شريان الحياة للصناعات الثقيلة في المجر وسلوفاكيا. غير أن التوقف جاء في لحظة احتكاك جيوسياسي بالغ الحساسية، ما أضفى عليه أبعادًا سياسية تتجاوز التفسير التقني.

تؤكد كييف أن التعطيل نتج عن تضرر محطات الضخ بسبب الضربات الروسية المتكررة على البنية التحتية للطاقة. غير أن السردية الرسمية في بودابست وبراتيسلافا فسّرت التوقف باعتباره «رسومًا جيوسياسية» متعمدة لمعاقبة مواقفهما المتحفظة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن تمويل أوكرانيا. وقد عزز التزامن الزمني بين التوقف وإشارات مجرية لاستخدام حق النقض (الفيتو) ضد بعض آليات الدعم هذا التأويل السياسي، ما حوّل خللًا تقنيًا محتملًا إلى أزمة ثقة استراتيجية.

تنبع هشاشة المجر وسلوفاكيا من موقعهما الجغرافي الحبيس ومن طبيعة بنيتهما التكريرية المصممة لمعالجة خام «الأورال» الروسي. فمصفاة سززهالومباتا في المجر ومصفاة سلوفنافت في سلوفاكيا تتطلبان استثمارات بمليارات الدولارات لتكييفهما مع أنواع خام بديلة تُنقل عبر خط أنابيب «أدريا» من كرواتيا. وعلى المدى القصير، يظل «دروجبا» مصدرًا حيويًا يصعب استبداله، وهو ما يمنح أوكرانيا ورقة ضغط فعلية في لحظة احتدام الصراع.

الأزمة والحرب الروسية - الأوكرانية

تعكس هذه المواجهة الطاقوية صورة مصغرة من الحرب الروسية–الأوكرانية الأوسع. فبينما يبدو النزاع مباشرًا بين كييف وبودابست وبراتيسلافا، تظل موسكو مستفيدة استراتيجيًا من أي تصدع داخل الجبهة الأوروبية إذ أن أحد أهداف روسيا في عام 2026 يتمثل في إضعاف تماسك الاتحاد الأوروبي من الداخل عبر تعظيم تكاليف الطاقة وتغذية الانقسامات السياسية.

من خلال استمرار قصف البنية التحتية الأوكرانية مع الحفاظ على تدفق النفط إلى بعض الدول الأوروبية، تنشأ مفارقة استراتيجية: فكلما شددت أوكرانيا موقفها تجاه عبور النفط، زادت الضغوط عليها من جيرانها؛ وكلما سمحت باستمرار التدفق، بدت وكأنها تسهم في تمويل آلة الحرب الروسية إنه وضع «خاسر - خاسر» يضع كييف بين اعتبارات أمنها القومي وضرورات الحفاظ على دعم أوروبي موحد.

تكشف الأزمة كذلك عن تآكل تدريجي لما يمكن تسميته «إجماع بروكسل». فبعد موجة التضامن القوي في عامي 2022 و2023، بدأت ملامح «إرهاق الطاقة» بالظهور بحلول 2026، حيث تواجه الحكومات ضغوطًا داخلية من تيارات شعبوية تعطي أولوية لتكاليف المعيشة على حساب الالتزامات الجيوسياسية. وهكذا تصبح أزمة الطاقة اختبارًا لقدرة الاتحاد الأوروبي على التوفيق بين التضامن الاستراتيجي ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي.

التداعيات الاقتصادية والسيناريوهات المستقبلية

تحمل هذه المواجهة الطاقوية تداعيات اقتصادية عميقة قد تقود إلى ما يمكن وصفه بـ«عصر صناعي مظلم» موضعي في أوروبا الوسطى. ففي أوكرانيا، تراجعت القدرة الإنتاجية المحلية للكهرباء إلى مستويات متدنية مقارنة بفترة ما قبل الحرب، وتعتمد البلاد على الواردات لإدارة أحمال الشتاء وأي قطع شامل للإمدادات من المجر وسلوفاكيا قد يؤدي إلى انهيار متسلسل في الشبكة، وانكماش حاد في الناتج الصناعي، مع انعكاسات مباشرة على سلاسل الإمداد اللوجستية والعسكرية.

أما في المجر وسلوفاكيا، فإن توقف «دروجبا» لفترة طويلة قد يفضي إلى انخفاض ملموس في الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع أسعار الوقود، وضغوط تضخمية تهدد الاستقرار السياسي. ويكشف ذلك عن مدى ترابط الاقتصادات الأوروبية وعن هشاشة النموذج الصناعي القائم على طاقة مستقرة ومنخفضة التكلفة.

قانونيًا، تبرز الأزمة محدودية فعالية الأطر المنظمة للطاقة، مثل معاهدة ميثاق الطاقة واتفاقيات الشراكة الأوروبية، في سياق حرب شاملة. إذ يمكن لكل طرف التذرع بمبدأ «القوة القاهرة» أو بتفسيرات تعاقدية تبرر التعليق المؤقت للالتزامات. وفي غياب آلية تنفيذية فورية، تتحول القواعد إلى أدوات تفاوض لا إلى ضمانات ملزمة، ما يشير إلى انتقال تدريجي من «نظام طاقة قائم على القواعد» إلى «نظام قائم على موازين القوة».

وفي ضوء ذلك، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية: هدنة تقنية برعاية أوروبية تضمن استمرار التدفقات مؤقتًا؛ أو فك ارتباط استراتيجي عبر استثمارات ضخمة لتجاوز أوكرانيا؛ أو تصعيد شامل يقود إلى شتاء مظلم وأزمة إنسانية. ويعتمد المسار النهائي على قدرة الاتحاد الأوروبي على التوفيق بين اعتبارات التضامن والأمن الطاقي، وعلى مدى استمرار الضغط الروسي على البنية التحتية الأوكرانية.

خاتمةتكشف أزمة الطاقة بين أوكرانيا والمجر وسلوفاكيا عام 2026 عن تحوّل بنيوي في طبيعة الصراع الدولي، حيث أصبح التحكم في «التدفق» -سواء كان كهرباء أو نفطًا أو بيانات - أحد أهم مصادر القوة في النظام العالمي المعاصر. لقد أضحت الأنابيب والكابلات أدوات ضغط لا تقل فاعلية عن الدبابات والصواريخ، بل تتفوق عليها أحيانًا بقدرتها على إحداث أثر عميق دون إثارة ردود فعل عسكرية مباشرة.

بالنسبة لأوكرانيا، يؤكد الدرس أن الأمن الوطني لم يعد منفصلًا عن السيادة الطاقوية وتنويع مصادر الإمداد. أما بالنسبة لأوروبا، فالأزمة تذكير بهشاشة الوحدة الداخلية حين تتعرض الاحتياجات الأساسية للمواطنين للخطر. وطالما ظلت الطاقة أداة إكراه بدل أن تكون جسرًا للتعاون، سيبقى السلام في شرق أوروبا رهينًا بالأنابيب ذاتها التي شُيدت يومًا لتعزيز «الصداقة»، لكنها تحولت في زمن الأزمات إلى خطوط تماس جديدة في جغرافيا الصراع الدولي.

 

 

المصدر: مجلة السياسة الدولية

الكاتب : د. محمد عبد العظيم الشيمي

التاريخ : 24/2/2026

----------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: صحيفة أرقام

التاريخ : 20/9/2025


المقالات الأخيرة